يُمثّل الكاتب والروائي والصحفي الجنوب سوداني آرثر غابرييل ياك (Arthur Gabriel Yak) أحد أجرأ الأصوات السردية وأكثرها فرادة في المشهد الأدبي الإفريقي والعربي المعاصر؛ إذ استطاع من خلال نصوصه الروائية والقصصية المكتوبة باللغة العربية أن يقدم شهادة أدبية استثنائية عن التحولات العاصفة، والحروب الأهلية، وأسئلة الهوية والتعايش في دولة جنوب السودان. وفي سياق ثقافي يتجه فيه غالبية كتاب بلاده نحو التدوين باللغة الإنجليزية، تمسك ياك بالكتابة بالضاد، صانعاً جسراً إبداعياً وثيقاً يربط تفاصيل المأساة والوجدان الإفريقي بالقارئ العربي، وموظفاً تقنيات الكوميديا السوداء والفانتازيا الرمزية لتفكيك عبثية الاقتتال الأهلي ونقد الفساد السياسي بجرأة نادرة.
النشأة والخلفية المهنية: من الميدان الصحفي إلى معمار الرواية
وُلد آرثر غابرييل ياك في جنوب السودان (قرابة عام 1972)، وتزامنت مراحل نشأته وشبابه مع عقود طويلة من الحروب والنزاعات التي شهدها السودان قبل الانفصال وتأسيس دولة جنوب السودان المستقلة عام 2011. صقل ياك موهبته التعبيرية عبر العمل في الصحافة المكتوبة؛ فعمل محرراً وكاتباً في عدد من الصحف الناطقة بالعربية في الخرطوم وجوبا، ومن بينها صحيفتا "المصير" و"الموقف".
أتاحت له هذه الممارسة الصحفية اليومية معاينة قضايا الشارع والمخيمات عن قرب، ومواكبة تطلعات المواطنين وصدماتهم إزاء النزاعات الداخلية التي اندلعت بعد الاستقلال. وجعلت هذه الخبرة نصوصه السردية مفعمة بحرارة الواقع ودقة الملاحظة الاجتماعية والأنثروبولوجية، مع ابتعاد صارم عن الخطابة المباشرة لصالح بناء فني مشوق يتأمل المفارقات الإنسانية المؤلمة ويكشف زيف الشعارات السياسية البراقة.
أبرز المحطات الإبداعية والجوائز
قدّم ياك نتاجاً أدبياً لافتاً حظي بتقدير نقدي متزايد وترجمات إلى لغات عالمية، وتبرز في مسيرته محطات كبرى:
1. لا مبالاة، أنت من هناك (2009)
مجموعته القصصية الافتتاحية التي لفتت الأنظار مبكراً إلى صوته المتميز؛ حيث قدم عبرها لوحات مكثفة ترصد الاغتراب، والتهميش، وصراع البقاء للإنسان البسيط وسط تحولات سياسية قاهرة. واختيرت نصوص منها لتترجم إلى الإنجليزية ضمن مختارات دولية مرموقة مثل كتاب "The Book of Khartoum" الصادر عن دار "Comma Press" البريطانية، ونُشرت قصصه في مجلات دولية مثل "The Common".
2. اليوم الذي انتحر فيه عزرائيل
رواية حظيت بمشروعية نقدية واسعة ونال عنها منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) عام 2014. غاص الكاتب في جحيم الصراع الأهلي الدامي الذي تفجر في جوبا أواخر عام 2013، مقدماً عبر شخصيات مثل "الكولونيل فرانكو" معالجة رمزية وفلسفية للموت والدمار؛ حيث يصور الحرب كقوة عمياء تجعل ملاك الموت نفسه ييأس من جنون البشر واقتتالهم العبثي فيقرر الخلاص بالانتحار.
3. سوبرانو القيامة (2020)
عمل روائي يستثمر الكوميديا السوداء ببراعة فائقة؛ تدور حبكته الغرائبية حول بعث زعيم سياسي راحل من بين الأموات ليفعل ما عجز عنه الأحياء، فتتزلزل أركان السلطة وتنكشف أسرار مظلمة ظن الجميع أنها طُمست إلى الأبد. تعكس الرواية خيبة الأمل في نخب ما بعد الاستقلال وتناقش بجرأة الصراع القبلي بين الدينكا والنوير.
4. همسات النجاة (Whispers of Survival)
مخطوطة روائية توجت بالجائزة الأولى في مسابقة "كورامو" للكتاب (Quramo Writers' Prize) في نيجيريا عام 2024. تتناول الرواية مأساة الفتيات والنازحين في معسكرات اللجوء، مجسدة قيم الصمود البشري والتضامن النسوي في مواجهة أهوال النزوح.
الخصائص الأسلوبية والثيمات المركزية
تتسم كتابات آرثر غابرييل ياك بخصائص فنية فارقة:
- الكوميديا السوداء والرمزية الغرائبية: مواجهة الكوارث والمآسي بالسخرية الفلسفية المرة، لتحويل الفجيعة إلى مرآة تكشف هشاشة الطغاة وتفاهة الصراعات العسكرية.
- تفكيك الصراع العرقي والقبائلي: الجرأة في نقد النعرات العصبية وتعرية أمراء الحرب المستفيدين من إشعال الفتن بين المكونات المجتمعية.
- تطويع العربية لخصوصية المكان الإفريقي: الكتابة بلغة عربية فصيحة ومطعمة بنكهة البيئة الجنوبية وأمثالها الشعبية وإيقاع الحياة في جوبا والقرى النيلية.
- أدب المعسكرات والنازحين: الانتصار للضحايا والمهمشين والنساء والأطفال الذين يدفعون دائماً الأثمان الباهظة لطموحات السياسيين.
تقييم نقدي وتوصيات للقراء
يُمثّل ياك ظاهرة أدبية تستحق الاحتفاء؛ إذ يبرهن على أن اللغة العربية ليست حكراً على جغرافيا محددة، بل هي أداة تعبيرية قادرة على توثيق التاريخ الحي لجنوب السودان وعموم القارة الإفريقية.
يُنصح القارئ بالبدء برواية "اليوم الذي انتحر فيه عزرائيل" لفهم رؤيته للصراع والحروب الأهلية، ثم التوجه نحو "سوبرانو القيامة" للاستمتاع بأسلوبه الساخر والرمزي في تشريح بنية السلطة وخفايا المشهد السياسي.
مكانة الكاتب
يظل آرثر غابرييل ياك صوتاً إنسانياً نبيلاً ومدافعاً شجاعاً عن السلام؛ استطاع بأدبه الرفيع أن يوثق جراحات جنوب السودان وكرامة شعبه، ليحفر اسمه كأحد أبرز رواد الرواية الإفريقية المعاصرة المكتوبة باللغة العربية.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا الكتاب!